ابن حجر العسقلاني

179

فتح الباري

يدور مع علته فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت ومن ثم قال الماوردي إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الاسلام وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الجهاد في باب وجوب النفير في الجمع بين حديث ابن عباس لا هجرة بعد الفتح وحديث عبد الله بن السعدي لا تنقطع الهجرة وقال الخطابي كانت الهجرة أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الاسلام مطلوبة ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا فلما فتحت مكة ودخل الناس في الاسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب وقال البغوي في شرح السنة يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى بقوله لا هجرة بعد الفتح أي من مكة إلى المدينة وقوله لا تنقطع أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الاسلام قال ويحتمل وجها آخر وهو أن قوله لا هجرة أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن وقوله لا تنقطع أي هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الاعراب ونحوهم ( قلت ) الذي يظهر أن المراد بالشق الأول وهو المنفي ما ذكره في الاحتمال الأخير وبالشق الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبله وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار أي ما دام في الدنيا كفر فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه ومفهومه أنه لو قدر أن لا يبقى في الدنيا دار كفر أن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها والله أعلم وأطلق ابن التين أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة وأن من أقام بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بغير عذر كان كافرا وهو إطلاق مردود والله أعلم الحديث الثامن ( قوله عن هشام ) هو ابن عروة ( قوله إن سعدا ) هو ابن معاذ وسيأتي شرح هذا في غزوة بني قريظة وأورده هنا مختصرا لما يتعلق بقريش الذين أحوجوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج عن وطنه ( قوله وقال أبان بن يزيد ( 1 ) هو العطار الخ ) يعني أن أبان وافق بن نمير في روايته عن هشام لهذا الحديث وأفصح بتعيين القوم الذين أبهموا وأنهم قريش وزعم الداودي أن المراد بالقوم قريظة ثم قال في الرواية المعلقة هذا ليس بمحفوظ وهو إقدام منه على رد الروايات الثابتة بالظن الخائب وذلك أن في رواية ابن نمير أيضا ما يدل على أن المراد بالقوم قريش وإنما تفرد أبان بذكر قريش في الموضع الأول وإلا فسيأتي في المغازي في بقية هذا الحديث من كلام سعد وقال اللهم فإن كان بقي من حرب قريش شئ فأبقني له الحديث وأيضا ففي الموضع الذي اقتصر الداودي على النظر فيه ما يدل على أن المراد قريش لان فيه من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه فإن هذه القصة مختصة بقريش لأنهم الذين أخرجوه وأما قريظة فلا * الحديث التاسع حديث ابن عباس ( قوله حدثنا هشام ) هو ابن حسان ( قوله فمكث بمكة ثلاث عشرة ) هذا أصح مما أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد عن هشام بن حسان بهذا الاسناد قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وأصح مما أخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن عباس أن